الجصاص

171

أحكام القرآن

أبو داود قال : حدثنا عبد الله بن عمر بن ميسرة قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري : " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس ، فلقوا عدوا فقاتلوهم وظهروا عليهم فأصابوا منهم سبايا لهن أزواج من المشركين ، فكان المسلمون يتحرجون من غشيانهن ، فأنزل الله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) أي هن لكم حلال إذا انقضت عدتهن " . وقد ذكر أن أبا علقمة هذا رجل جليل من أهل العلم ، وقد روي عنه يعلى بن عطاء ، وروى هو هذا الحديث عن أبي سعيد ، وله أحاديث عن أبي هريرة . وهذا حديث صحيح السند قد أخبر فيه بسبب نزول الآية وأنها في السبايا ، وتأولها ابن مسعود ومن وافقه على جميع النساء ذوات الأزواج إذا ملكن حل وطؤهن لمالكهن ووقعت الفرقة بينهن وبين أزواجهن . فإن قيل : أنتم لا تعتبرون السبب وإنما تراعون حكم اللفظ إن كان عاما فهو على عمومه حتى تقوم دلالة الخصوص ، فهلا اعتبرت ذلك في هذه الآية وجعلتها على العموم في سائر من يطرأ عليه الملك من النساء ذوات الأزواج فينتظم السبايا وغيرهن ! قيل له : الدلالة ظاهرة في الآية على خصوصها في السبايا ، وذلك لأنه قال : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) ، فلو كان حدوث الملك موجبا لإيقاع الفرقة لوجب أن تقع الفرقة بينها وبين زوجها إذا اشترتها امرأة أو أخوها من الرضاعة لحدوث الملك . فإن قيل : جائز أن يقال ذلك في سائر من طرأ عليهن الملك ، سواء كان حدوث الملك سببا لإباحة الوطء أو لم يكن بأن تملكها امرأة أو رجل لا يحل له وطؤها . قيل له : فشأن الآية إنما هو فيمن حدث له ملك اليمين فأباحت له وطأها ، لأنه استثناء بملك اليمين من حظر وطء المحصنات من النساء ، فواجب على ذلك أنه إذا لم يستبح المالك وطأها بملك اليمين أن تكون الزوجية قائمة بينها وبين زوجها بحكم الآية ، وإذا وجب ذلك بحكم الآية وجب أن يكون قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) خاصا في السبايا ، ويكون السبب الموجب للفرقة اختلاف الدارين لا حدوث الملك . ويدل على أن حدوث الملك لا يوجب الفرقة ما روى حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة : أنها اشترت بريرة فأعتقتها وشرطت لأهلها الولاء ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " الولاء لمن أعتق " وقال لها : " يا بريرة اختاري فالأمر إليك " ، ورواه سماك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة مثله . وروى قتادة عن عكرمة عن ابن عباس : " أن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أن الولاء لمن أعطى الثمن وخيرها " .